السيد عبد الله شبر

406

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

وبتقرير آخر : أنّ المتحقّق من نسبة الطالبيّة والمطلوبيّة إلى الدنيا والواقع منهما في نفس الأمر هو المطلوبيّة ، بناءاً على أنّ النفي والإثبات في الكلام راجعان إلى القيد كما هو المقرّر في العربيّة . ووجهه ظاهر ؛ لظهور أنّ الناس كلّهم - إلّامن شذّ - طالبون للدنيا ، بخلاف نسبتهما إلى الآخرة فإنّ طالبيّتها أيضاً متحقّقة في نفس الأمر . الوجه الثاني : أن نجعل قوله : « الدنيا طالبة مطلوبة » خبراً بعد خبر كما هو الظاهر ، وحينئذٍ ففي ترك العاطف دلالة على عدم ارتباط طالبيّتها بمطلوبيّتها ؛ لوقوع الافتراق بينهما باعتبار قلّة طالب الآخرة ، فاحتيج في ربط إحداهما إلى الأخرى إلى العطف ، بخلاف الدنيا فإنّ كمال اتّصال مطلوبيّة الدنيا بطالبيّتها ، ونهاية ربطها بها ، وعدم افتراقها عنها باعتبار أنّ الدنيا في الواقع مطلوبة للكلّ ، فلا حاجة هنا إلى رابطة مستفادة من العطف ، فلذا ترك العاطف . ثمّ إنّ الطالبيّة والمطلوبيّة في كلّ من الدنيا والآخرة يتصوّر على وجهين : أحدهما : أنّ كلّاً منهما متّصفة بهما مع قطع النظر عن الأخرى . ثانيهما : أنّ كلّ واحدة منهما طالبة عند كون الأخرى مطلوبة ، ومطلوبة عند كون الأخرى طالبة ، ويرشد إليه قوله عليه السلام : « فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا » أي حتّى يستوفي منها رزقه ، كما قال صلى الله عليه وآله : « لا تموت نفس حتّى تستكمل رزقها » « 1 » . وقال الصادق عليه السلام : « لو كان العبد في جُحر لأتاه اللَّه برزقه » « 2 » . ( ومن طلب الدنيا ) وصرف عمره فيها ( طلبته الآخرة ) حتّى يستوفي منها أجله ، فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه ، لانقطاعها عنه وعدم وفائها له ، وآخرته ؛ لعدم صرف فكره إليها .

--> ( 1 ) . الكافي ، ج 5 ، ص 80 ، باب الإجمال في الطلب ، ح 1 و 11 ؛ تهذيب الأحكام ، ج 6 ، ص 321 ، ح 880 ؛ الأمالي للصدوق ، ص 293 المجلس التاسع والأربعون ، ح 1 ؛ وسائل الشيعة ، ج 17 ، ص 44 ، ح 21938 . ( 2 ) . الكافي ، ج 5 ، ص 81 ، باب الإجمال في الطلب ، ح 4 ؛ وسائل الشيعة ، ج 17 ، ص 46 ، ح 21942 ؛ مستدرك الوسائل ، ج 13 ، ص 28 ، ح 14647 . ولكن في الأخيرين : « لأتاه رزقه » بدل « لأتاه اللَّه برزقه » .